بقلم الدكتور محمد أبو هلال

ان الرعاية الصحية الجيدة هي من الأساسيات التي يسعى اليها كل الناس، وفي سبيل ذلك هم دائما يبحثون عن الطبيب المتميز والماهر ” الشاطر “. وذلك مفهوم جدا. المشكلة هي في التعامل الاجتماعي مع هذا الموضوع، وكيف أحيانا يصبح البحث عن طبيب ” شاطر ” هو بحد ذاته سببا لعدم تلقي الرعاية الصحية المناسبة.

إن دور مهارة الطبيب ” وشطارته ” في مساعدة المرضى تختلف من اختصاص لاختصاص، فهي مثلا في التخصصات ذات التدخل الجراحي أعلى منها في التخصصات الأخرى. حيث أن مهارة إجراء التدخل هي العامل الحاسم في نجاح العملية والحصول على النتائج الصحية التي يريدها المرضى. وفي تخصصات أخرى مثل تخصصنا في الطب النفسي، تكون مهارة الطبيب ” الطبية ” في معرفة الأدوية ووصفها ” عاملا مهما في العلاج والحصول على النتائج الجيدة ولكنه ليس العامل الحاسم. فهناك عوامل متعددة في مجالنا توازي أو تفوق مهارة و “شطارة ” الطبيب كما يفهمها الناس. منها أسلوب بناء العلاقة مع المريض وأهله وهي مهارة إنسانية عامة لا تختص فقط بالأطباء ولكتها عند الطبيب النفسي من أهم عوامل نجاح الخدمة التي يقدمها.

التحدي الذي نواجهه في مجالنا هو عندما يكون هناك مريض حالته المرضية صعبة، يقوم هذا المريض أو (أهله) بزيارة الطبيب تلو الطبيب واخذ العلاجات التي توصف للمريض، ولكن بسبب عدم تمتع الاهل او المريض بالصبر الكافي لكي تظهر نتائج العلاج، (الإيجابية أو السلبية) التي تسمح للطبيب الذي صرفه بأن يعدل الخطة العلاجية فإن الأهل يقررون أن هذا الطبيب ” غير شاطر” ويبحثون عن طبيب آخر.   وعند الطبيب الآخر يعرض المريض وأهله المشكلة ثانية (وأحيانا دون إخباره بالعلاج السابق! حتى يختبروا شطارة الطبيب الجديد).

يصرف الطبيب الجديد مجموعة من الأدوية، التي من طبيعتها انها تأخذ وقتا قد يستغرق أسابيع لرؤية نتائجها. ولكن مجددا لا ينتظر المريض وأهله كثيرا. وطالما انهم لم يروا تحسنا كما يريدون، يقررون الذهاب إلى طبيب ثالث، وهكذا. أكبر تحدٍ في هذه العملية هو عندما يقولون للطبيب الجديد ” لقد زرنا الكثير من الأطباء، ولم نستفيد، وقد دلونا عليك وقالوا إنك طبيب شاطر”. وهنا قد يجد الطبيب نفسه أمام مدح يستهويه! فيراجع الأدوية والعلاجات التي أخذها المريض سابقا، ويعصر خزان ” شطارته “ويقرر أن يصرف قائمة جديدة من الأدوية! وهذا بالضبط ما يجب أن يتجنبه! فالمشكلة ليست في أن الأدوية السابقة لا تنفع، أو أن زملائه الأطباء ليسوا “شاطرين”. وإنما الأمر يتعلق بالمرض نفسه وبسلوك المريض وأهله وطريقة تصورهم عن العلاج النفسي.

وهنا يكون التدخل المناسب هو أن نشرح للمريض هذه الحقيقة. وأن نقدم له التثقيف النفسي، وان نقنعه بأخذ خطوة إلى الوراء وإعادة استخدام الأدوية التي استخدمها سابقا، مع خطة متابعة وبعض الصبر من أجل إعطاء الأدوية وقتها لتأخذ مفعولها أولا، وعندها نتأكد أنها غير فعالة بعد تجربة كاملة، وعندها فقط علينا أن نغير الخطة، مع الاخذ بعين الاعتبار بان أي تغيير في الجرعة أو نوع الأدوية أو عددها قد يحتاج عدة أسابيع حتى نرى نتائجه (أو لا نراها). وحسب ذلك نقرر الاستمرار او التغيير.

الرسالة التي نريد التأكيد عليها، أن على المريض النفسي وأهله أن لا يستعجلوا النتائج وأن يعرفوا أن في الطب النفسي خصائص مختلفة عن باقي الفروع الطبية. وأن على الطبيب النفسي أن يقبل فكرة خسارة المريض (ومدحه) مقابل أن يؤكد على أهمية الالتزام بالخطط العلاجية التي وصفها الزملاء. إن ذلك قد يبدو خسارة على المدى القريب ولكنها على المدى البعيد كفيلة بأن تحدث تغييرا في عقلية المجتمع تجاه الطب النفسي، وعندها ينتشر الوعي ويستفيد الناس.