ملاحظة:

تم تصميم المقالة الطبية هذه بلغة طبية بسيطة لكي يستطيع غير المختص الاطلاع عليها وفهمها ، وتذكر عزيري القارئ إن كان لديكم أي استفسارات حول المقالة أو أي مشكلة صحية ، يمكننا تنظيم استشارة عن بعد مع فريق داويني للتداوي عن بعد ، حيث تجدون في نهاية المقالة طريقة التواصل معنا لحجز موعد مع فريق الاستشارات الطبية المعتمد من قبل مجموعة داويني للصحة الرقمية .

  • إن مُسبِّبات الـمرض الـمُتوطِّن Endemic, outbreak والوباء Epidemic والجَائحة Pandemic في العالم هي العوامل الـمُعْدِية (الخامِجة) الخمسة التالية: الفيروسات Viruses، الجراثيم Bacteria، الطُّفَيليات Parasites، الفُطور Fungi، البريونات Prions، أي البروتينات الشاذّة البنية الـمُعْدِية.
  • إن الـمرض المُتَوطِّن Endemic, outbreak هو مرض منتشر بشكل دائم لدى شعب أو منطقة معيَّنة؛ ويقال عن مرض ما أنه مُتَوطِّن إذا ظَهر ارتفاع مفاجئ أكبر من الـمتوقَّع في عدد الأشخاص الذين يصابون به (شخصين أو أكثر)، وذلك في وقت واحد (خلال أيام أو أسابيع وليس خلال أشهر) وفي موقِع واحد (في دولة أو منطقة أو بلدة أو حتى مبنى واحد).
  • وأما الوباء Epidemic فهو مرض يصيب عدداً كبيراً غير متوقَّع من البشر الذين يعيشون معاً في منطقة جغرافية معيَّنة، ويتميّز بسرعة الانتشار على نطاق واسع. والعامل الـمحدِّد لتسمية الوباء هو الـمُعدَّل الكبير لعدد الإصابات بالـمرض الـمَعنيّ الـمنتشر، وذلك بِغضّ النظر عن مُعدَّل الوفيات التي يسبِّبها أو عددها حتى لو كان قليلاً، وبغضّ النظر أيضاً عن شدّة الـمرض الـمنتشر. إن الوباء هو تَفَشٍّ للمرض على مساحة جغرافية أوسع من تلك التي ينتشر فيها التَّوطُّن أو الـمرض الـمُتوطِّن Endemic.
  • وأخيراً فإن الجائحة Pandemic هي وباء ينمو بمعدَّل كبير، وينتشر في بلدان متعددة في قارّة أو أكثر. وهكذا فإن الوباء يمكن أن يتطور إلى جائحة؛ والفرق بين الجائحة والوباء لا يتمثل في شدة المرض، بل في معدَّل انتشاره ومساحة هذا الانتشار، إذ أن الجائحة تَعبر الحدود الدولية خلافاً للوباء.
  • لقد بَلغ عدد العداوى المعروفة المختلفة التي تَجلَّت بأمراض متوطِّنة وأوبئة وجائحات عبر تاريخ البشرية الطويل حوالي 46 عدوى موزعةً كما يلي: عدوى بالجراثيم السلبية الغرام (11 عدوى)، عدوى بالجراثيم الإيجابية الغرام (4 عداوى)، عدوى بفيروسات رنا (أي تتكون من حمض نَوَويّ رِيبـيّ، رَنا Ribonucleic acid, RNA) (24 عدوى)، عدوى بفيروسات دنا، (أي تتكون من حمض نَوَويّ رِيبـيّ ناقص الأُكْسي، دَنا Deoxyribonucleic acid, DNA) (4 عداوى)؛ عدوى طُفَيلية (اثنتان)، عدوى فُطْرية (واحدة)، عدوى بريونية (اثنتان).
  • وقد تَطرَّقنا إلى الأمراض الـمتوطِّنة والأوبئة والجائحات الحديثة التي مَرّ بها العالم خلال السنوات الخمسين-الخمس وخمسين الماضية، وذلك في مقالة سابقة نُشِرت في الواتسأب في صفحة مجموعة الصحيين العرب بتاريخ 6/1/2024.
  • ونتطرق أدناه إلى العداوى الكارثية القديمة والحديثة التي تَسبَّب كلٌّ منها في وفاة الملايين أو مئات الألوف من البشر، والتي يبلغ عددها 17 عدوى: سبع عداوى بجراثيم سلبية الغرام: الحُمَّى التيفية، داء كوكوليستْليCokoliztli ، الطاعون، الـهَيْضة (الكوليرا)، الشاهوق (السُّعال الديكيّ)، الحُمَّى الناكسة، التيفوس؛ وعدوى واحدة بجراثيم إيجابية الغرام: السُّلّ؛ وخمس عداوى بفيروسات الرنا: التهاب الكبد س، كوفيد-19 COVID-19، الإيدز AIDS، النَّزْلة الوافدة (الإنْفلوَنْزا)، إنفلونزا الخنازير؛ وعَدْويان اثنتان بفيروسات الدنا: الجُدَريّ، التهاب الكبد ب؛ وعَدْويان اثنتان بالطفيليات: داء الـمِثْقبيات الأفريقيّ، الـبُرَداء (الـمَلاريا).

       1ــ العدوى بالجراثيم السلبية الغرام:

  • 1ــ 1ــ الحُمَّى التيفية:
    تُسبِّب داءَ الحُمَّى التيفية Typhoid fever جراثيمُ من نوع السَّلْمُونيلة التيفية Species Salmonella typhi العَصَوية السلبية الغرام.
    ومعلومٌ أن الحمى التيفية تُشخَّص باختبار فيدال، حيث تُعايَر أضداد O وأضداد H للسلمونيلة التيفية. والمرضى بالحمى التيفية يطرحون السلمونيلات مع البِراز والبول؛ ولهذا فإن العدوى بهذه الجراثيم يمكن أن تَتُمّ عن طريق الماء الـملوَّث والخضار الـملوَّثة والاحتكاك بالمريض وأغراضه. وأبرز أعراض الحمى التيفية تَرَفُّع حَروريّ تدريجيّ يمكن أن يصل حتـى 41-40º س، وقُشَعريرة Chills، وصُداع، وتَوَعُّك Malaise، وقَهَم (نقص شهية) Anorexia شديد، ونقص وزن، وتغيُّرات حِسّية، وإمساك (خاصّة في البالغين)، وإسـهال خفيف في الأطفال، وألم بطنيّ، وبقع جلدية مرتفعة قليلاً وردية اللون تَشْحُب بعد فترة وتُشاهَد أحياناً على الصدر والبطن في الأسبوع الأول ويمكن أن تتطـور إلى نزوف صغيرة لا تَشحُب وتصعب ملاحظتها لدى المرضى الغامقي البشرة… وفي بعض المرضى يُلاحَظ بطء قلب Bradycardia. ويمكن أن يَظهر أيضاً رُعَاف في المراحل المبكرة من المرض. وتُلاحَظ في حوالي 25٪ من حالات الحمى التيفية قِلَّة بيض مع قلة عَدِلات Neutropenia وكثرة ليمفاويات Lymphocytosis. وللوقاية من العدوى بالحمى التيفية يتعين تحسين الصَّرْف الصِّحّيّ ومعالجة الأغذية والتقيُّد بالتدابير الصِّحّية الشخصية اللازمة. ويجدر التنويه بأنه قبل العصر الذهبيّ للمُضادّات الحيوية (أيْ قبل الفترة ما بين خمسينيات وسبعينيات القرن العشرين) كان معدَّل الوفيات بسبب الحمى التيفية يتراوح بين 20-10%؛ وأما اليوم فقد أصبح مع العلاج الفوريّ أقلّ من 1%.
    لقد أودت الحمى التيفية عبر التاريخ بحياة ألوف البشر في كثير من بلدان العالم، وهكذا فقد تَسبَّب وباء الحمى التيفية في وفاة 80 ألف شخص بين عامَي 1865-1861 في الولايات المتحدة الأمريكية، ووفاة 25830 شخصاً عامَي 1907-1906 في مدينة نيويورك، ووفاة 181 ألف شخص عام 1990 في أنحاء مختلفة من العالم، وبشكل رئيسيّ في آسيا وأفريقيا وأمريكا الوسطى والجنوبية وجنوب آسيا، ووفاة 217 ألف شخص من أصل 21,7 ملايين إنسان مصاب عام 2000 في أنحاء مختلفة من العالم، ووفاة 161 ألف شخص و 149 ألف شخص عامَي 2013 و 2015 على الترتيب في أنحاء مختلفة من العالم أيضاً. وفي سنوات مختلفة: 1927، 1937، 1964، 1996، 2005 أودت الحمى التيفية بحياة ما مجموعه ألف شخص في دول مختلفة من العالم، بما فيها كندا والمملكة المتحدة…
    وهكذا نرى أن الحمى التيفية قضت عبر التاريخ على 815 ألف إنسان في أنحاء مختلفة من العالم.
    والطريف هنا أنه خلال وباء الحمى التيفية في نيويورك عامَي 1907-1906 كانت هناك امرأة حاملة لجرثومة التيفوئيد دون أعراض اسمها ماري مالون Mary Mallon، وكانت تعمل طباخة، وقد نَقلت العدوى وحدها إلى أكثر من 22 شخصاً بسبب طبيعة عملها؛ ولهذا فقد لقَّبها سكان نيويورك على سبيل الدعابة بلقب “ماري التيفوئيد” Mary Typhoid.
  • 1ــ 2ــ داء كوكوليستْلي Cokoliztli:
    يُحتمَل أن مسبِّبَ هذا الداء هو جراثيمُ من نوع السَّلْمُونيلة الـمِعَوية Species Salmonella enterica العَصَوية السلبية الغرام. وجراثيم السلمونيلة الـمعوية تصيب الدواجن والـماشية والقطط والـجرذان، وتُسبِّب معظمَ حالات داء السلمونيلة لدى البشر، وبالدرجة الأولى لدى استهلاكهم الدجاج والبيض الـملوَّثَين دون طهي جيد.
    إن أعراض داء كوكوليسْتْلي تَمثَّلت في حمَّى وصُداع شديد ودُوَار ولسان أسود وبول داكن وألم بطنـيّ وصدريّ وعُقَيدات رقبية واضطرابات عصبية ويَرَقان وإسهال ونزيف في الجهاز الهضمي كان يؤدي إلى إسهال مدمَّى ونزيف من الأنف والعينين والفم والـمَهبِل…، وكانت تَحْدث الوفاة في غضون أسبوع من ظهور الأعراض.
    إن وباء كوكوليسْتْلي تَفشَّى في الـمكسيك بين عامَي 1548-1545 وبين عامَي 1580-1576، وشَكَّل لسكانها كارثة فتّاكة هائلة، إذ أودى خلال التفشِّي الأول بحياة 15-5 مليون شخص، ما مَثَّل حوالي 80% من السكان، وخلال التفشِّي الثاني بحياة 2,5-2 مليون شخص، ما مَثَّل حوالي 50% من السكان.
  • 1ــ 3ــ الطاعون:
    تُسبِّب الطاعونَ Pestis, plague جراثيمُ من نوع اليَرْسينية الطاعونية Yersinia pestis Species العَصَوية السلبية الغرام. وهي تنتقل إلى الإنسان عبر الجلد بِقَرْص برغوث الِجرْذان Rat flea أو براغيث أخرى أو بالتماسّ أو عن طريق الـمَنتوجات الغذائية الـملوَّثة.
    وتتمثل أعراض الطاعون في حُـمَّى وصُداع وقَيء وإسهال وضخامة غدد ليمفاوية مع خُرَاجات قيحية كبيرة، وخاصّة في الأُرْبية، أي تورُّم الأُرْبية أو الدَّبْل، وتَخثُّر دم داخل الأوعية وذات رئة والتهاب سحايا… والطاعون غير الرئويّ يمكن أن يكون مميتاً في نصف الحالات، وأما الطاعون الرئويّ فهو مميت حتماً.
    لقد رُصِدت في العالم عبر التاريخ ثلاث جائحات للطاعون:
    1ـــ جائحة الطاعون الأولى First Plague Pandemic التي تُمثِّل بدايتَها جائحةُ طاعون جستينيان Justinian’s Plague Pandemic بين سنتَي 549-541 م، التي سَبَّبها داءُ الطاعون الدَّبْليّ Bubonic plague. وقد تَفشَّت هذه الجائحة في شمال أفريقيا وأوروبا وغرب آسيا، وأدّت إلى وفاة 100-15 مليون شخص، ما مَثَّل حينئذ 56-7% من سكان العالم البالغ عددهم حوالي 215 مليون فقط. ودُعِيَ هذا الطاعون باسم الإمبراطور الرومانـيّ جستينيان لإصابته به وتعافيه منه.
    2ـــ جائحة الطاعون الثانية Second Plague Pandemic التي تُمثِّل بدايتَها جائحةُ الموت الأسود Black Death Pandemic بين سنتَي 1353-1346، التي سَبَّبها أيضاً مرضُ الطاعون الدَّبْليّ. وقد تَفشَّت هذه الجائحة في أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا، وأدت إلى وفاة 200-75 مليون، ما مَثَّل حينئذ 54-20% من سكان العالم البالغ عددهم حوالي 370 مليون فقط.
    3ـــ جائحة الطاعون الثالثة Third Plague Pandemic بين سنتَي 1960-1855، وخاصّة سنة 1894 في الصين والهند؛ وهذه السنة هي سنة اكتشاف العامل الـمُسبِّب للطاعون “اليَرْسينية الطاعونية”، وذلك في هونغ كونغ من قِبل عالم الجرثوميات الفرنسيّ ألِكْسَندر يِرسين Alexander Yersin. وقد أدت جائحة الطاعون الثالثة إجمالاً إلى وفاة 15-12 مليوناً من سكان العالم، الذين بلغ عددهم 2,8 مليارات عامَ 1855، وثلاث مليارات عامَ 1960.
    وبالإضافة إلى جوائح الطاعون الثلاث سُجِّلت عبر التاريخ 16 وباء طاعونياً هي:
    1ـــ طاعون شيريو Shiryue عامَي 628-627 م: تَفشَّى بشكل خاصّ في بلاد ما بين النهرين، وأودى بحياة أكثر من 25 ألف شخص، بِمَن فيهم الـملك الساسانـيّ (الفارسيّ) كافاد الثانـي Kavad II، الذي تُنسَب تسمية هذا الطاعون إلى اسمه بعد الوِلادة – شيريو. وقد تَفشَّى طاعون شيريو لاحقاً أيضاً بين عامَي 642-634 م.
    2ـــ طاعون عَمْواس Amwas عامَي 18-17 هـ/639-638 م: تَفشَّى في بلاد الشام والإمبراطورية البيزنطية وغرب آسيا وفي أفريقيا، وأدى إلى وفاة زُهاء 25 ألف شخص من المسلمين وأقاربهم.
    3ـــ وباء طاعون لندن عامَ 1563: أدى إلى وفاة أكثر من 20100 شخص.
    4ـــ وباء طاعون جزيرة تِنِريفي Tenerife الإسبانية عامَ 1582: أودى بحياة 9000-5000 شخص.
    5ـــ وباء طاعون لندن عامَ 1592: أدى إلى وفاة أكثر من 19900 شخص.
    6ـــ وباء الطاعون الإسباني بين عامَي 1602-1596: أودى بحياة 700-600 ألف شخص.
    7ـــ وباء طاعون لندن عامَ 1603: أدى إلى وفاة 40 ألف شخص.
    8ـــ وباء الطاعون الإيطاليّ بين عامَي 1631-1629: أدى إلى وفاة مليون شخص، ما مًثَّل 0,2% من سكان العالم حينذاك.
    9ـــ وباء طاعون مدينة أوغْسْبورغ Augsburg الألمانية بين عامَي 1635-1632: قضى على حياة 13700 شخص.
    10ـــ وباء الطاعون العظيم أواخرَ عهد سُلَالة مينغ Ming الصينية بين عامَي 1644-1633: أودى بحياة أكثر من 200 ألف شخص.
    11ـــ وباء طاعون لندن عامَ 1637: أدى إلى وفاة 10400 شخص.
    12ـــ وباء طاعون إشبيلية Seville العظيم بين عامَي 1652-1647: قضى على حياة أكثر من 500 ألف شخص.
    13ـــ وباء طاعون نابولي*Naples *بين عامَي 1658-1656: أدى إلى وفاة 1,25 مليون شخص، ما مًثَّل 0,2% من سكان العالم حينذاك.
    14ـــ وباء طاعون أمسْتِردام عامَي 1664-1663: أدى إلى وفاة 24150 شخص.
    15ـــ وباء طاعون لندن العظيم عامَي 1666-1665: أودى بحياة مائة ألف شخص يمثِّلون آنذاك نصف سكان لندن.
    16ـــ وباء الطاعون الفارسيّ عامَي 1773-1772: أدى إلى وفاة مليونَـي شخص، ما مًثَّل 0,3-0,2% من سكان العالم آنذاك.
    مِمّا تَقدَّم يتبيَّن أن داء الطاعون تَسبَّب في كوارث هائلة عبر تاريخ البشرية، إذ أودى بحياة 315-102 مليون إنسان خلال ثلاث جائحات، وبحياة أكثر من 5,9-5,8 ملايين إنسان خلال الأوبئة.
    وسنَعرِض هنا أدناه ببعض التفصيل لطاعون عَمْواس الذي تَفشَّى في بلادنا واكتسب أهمية تاريخية باعتباره حَدَث في بداية الفتح الإسلاميّ لبلاد الشام.
    تَفشَّى طاعون عَمْواس – كما ذَكَرنا – عامَي 18-17 هـ/639-638 م في بلاد الشام والإمبراطورية البيزنطية وغرب آسيا وفي أفريقيا. ومن المحتمل أن يكون هذا الطاعون عودةً لطاعون جستينيان الذي ظَهر في أواسط القرن السادس الـميلاديّ. وقد سُمِّيَ هذا الطاعون باسم عَمْواس نسبةً إلى قرية عمواس الفلسطينية التي تقع على بعد 26 كم عن القدس، والتي كانت مَقرّاً لجند المسلمين في بداية الفتح الإسلاميّ لبلاد الشام، والتي انتشر منها هذا الطاعون. وقد أدى طاعون عمواس إلى وفاة زُهاء 25 ألف مجاهد مسلم مع أقاربهم، بِـمَن فيهم معظم قادة جند المسلمين، كما أدى إلى وفاة أعداد كبيرة من سكان بلاد الشام. وقد استقبل الـمسلمون ظاهرة الطاعون الجديدة عليهم بارتباك واختلاف في المواقف؛ إذ لا سابقةَ لهم في التعامل مع أمثال هذه الأوبئة العامة، فمِنهم مَن دعا إلى الفِرار إلى البلدان الـمجاورة، ومنهم مَن نظر إلى هذه الدعوة بأنها فِرار من قَدَر محتوم؛ وقد أَصرّ الخليفة عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أن يترك الـمدينة الـمنوَّرة ويتوجَّه إلى الشام ليقف بنفسه على الكارثة رغبةً منه في الإشراف على شؤون المسلمين والنظر في كيفية التعامل مع الحَدَث؛ ولكنه تَعامَل بمنتهى الحذر، فلم يَدخل هو ومَن معه إلى الشام؛ وقد استمع إلى آراء الصحابة المختلفة، وأبرزها الحديثُ النبويّ الذي ذُكِر عن عبد الرحمن بن عوف وأسامة بن زيد رضي الله عنهما، والذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: “إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تَدخلوها، وإذا وَقع بأرض، وأنتم فيها، فلا تَخرجوا منها”، ورأيُ عَمرو بن العاص رضي الله عنه الذي اقترح “الخروج إلى الجبال والتحصُّن فيها”؛ مما حدا بالخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يأمر بالانسحاب، واختيار مناطق مرتفعة صِحِّية أكثر بسبب الكثافة السكانية الأقلّ بكثير؛ وعندما قيل له “يا أمير المؤمنين، أفِراراً من قَدَر الله؟ أجاب: نعم، نَفِرّ من قَدَر الله إلى قدر الله…”. وهكذا تَوجَّه المسلمون إلى بلدة الجابية عاصمة العرب الغساسنة التي تقع على تلٍّ غربـيّ بلدة نَوَى في سهل حوران؛ وفي الطريق إلى الجابية تُوفِّـيَ قائد الفتح أبو عبيدة بن الجرّاح رضي الله عنه، ثم تُوفِّيَ خليفتُه سعد بن معاذ، ثم خليفتُه يزيد بن أبي سفيان، وعدد من الصحابة رضي الله عنهم، فتَولَّـى قيادةَ القوات عَمْرو بن العاص رضي الله عنه، وعَيَّن الخليفةُ عمر رضي الله عنه الصحابيَّ معاوية بن أبي سفيان شقيقَ يزيد قائداً للجيش؛ ومعلومٌ أن معاوية قد تَولَّى الشام، وأسَّس فيما بعد الخلافة الأُموية في دمشق، سنة 41 هــ/661 م. وهكذا كانت الإجراءات التي قام بها الخليفة عمر وقائد الجيش عمرو بن العاص لمواجهة الوباء القاتل في الشام شبيهة بإجراءات الحَجْر الصِّحِّـيّ؛ وبذلك قُضِيَ على الوباء الذي شَكَّل خطورة كبيرة على دولة المسلمين الناشئة في تلك الفترة.
  • 1ــ 4ــ الهَيْضة (الكوليرا):
    تُسبِّب داءَ الـهَيْضة (الكوليرا) Cholera جراثيمُ من نوع ضَمّة الـهَيْضة Species Vibrio cholera العَصَوية السلبية الغرام. وتنتقل ضَمّة الهيضة (الكوليرا) إلى الإنسان بالاحتكاك المباشر مع المريض أو مع المواد الـملوَّثة من قِبله، أو بتناول الغذاء والماء الـمخموج.
    وداء الهيضة يُمثِّل داء معوياً ببداية حادّة لالتهاب أمعاء مع إسهالات متكررة جداً وبِراز مائيّ يشبه ماء الأرُزّ مع إقياءات موازية، مما يُفْضي إلى تَجفاف للجسم… وينتهي غالباً بالموت في حال عدم العلاج. وللوقاية من الكوليرا يتعيَّن الاهتمام بالتوعية الصِّحّية للمجتمع وبالمياه والصرف الصِّحّيّ والنظافة عموماً.
    لقد سُجِّلت في العالم عبر التاريخ سبع جائحات للهيضة (الكوليرا) هي:
    1ــ جائحة الهَيْضة (الكوليرا) الأولى First Cholera Pandemic: تَفشَّت بين سنتَي 1819-1817 في آسيا، وخاصّة في منطقة البنغال والهند، ثم في الصين وإندونيسيا، وفي أوروبا، وخاصّة في سواحل بحر قزوين. وأدت جائحة الـهَيْضة (الكوليرا) الأولى إلى وفاة زهاء مائة ألف شخص.
    2ــ جائحة الكوليرا الثانية Second Cholera Pandemic: انتشرت بين سنتَي 1837-1826 في آسيا، وفي أوروبا، وخاصّة روسيا وهنغاريا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا، وفي أمريكا الشمالية. وأودت جائحة الكوليرا الثانية بحياة أكثر من مائة ألف شخص.
    3ــ جائحة الكوليرا الثالثة Third Cholera Pandemic: تَفشَّت بين سنتَي 1860-1846 في أنحاء مختلفة من العالم، وخاصّة في روسيا والحجاز وإنكلترا وويلز وإيرلندا وفرنسا وفيتنام وكمبوديا والولايات المتحدة وكوبا… وأدت جائحة الكوليرا الثالثة إلى وفاة زهاء مليون شخص.
    4ــ جائحة الكوليرا الرابعة Fourth Cholera Pandemic: تَفشَّت بين سنتَي 1875-1863 في منطقة البنغال وفي الحجاز ومختلف أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا وفي روسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية. وقضت جائحة الكوليرا الرابعة على حياة 600 ألف شخص.
    5ــ جائحة الكوليرا الخامسة Fifth Cholera Pandemic: انتشرت بين سنتَي 1896-1881 في آسيا، وخاصّة في اليابان وبلاد فارس، وفي أفريقيا، وخاصّة في مصر، وفي أوروبا، وخاصّة في إسبانيا وروسيا وألمانيا (في مدينة هامبورغ تحديداً)، وفي الأمريكتين. وأودت جائحة الكوليرا الخامسة بحياة 98600 شخص.
    6ــ جائحة الكوليرا السادسة Sixth Cholera Pandemic: انتشرت بين سنتَي 1923-1899 في روسيا وفي الإمبراطورية العثمانية، وفي آسيا، وخاصّة الهند والفيليبين والحجاز، وفي أوروبا، وخاصّة روسيا ورومانيا، وفي الولايات المتحدة. وأدت جائحة الكوليرا السادسة إلى وفاة أكثر من 800 ألف شخص.
    7ــ جائحة الكوليرا السابعة Seventh Cholera Pandemic: انتشرت في مختلف أنحاء العالم بين سنتَي 1975-1961، وأدت إلى وفاة 36 ألف شخص.
    وبالإضافة إلى جوائح الكوليرا السبع سُجِّلت عبر التاريخ أكثر من 18 وباء وتوطُّناً للكوليرا هي:
    1ــ وباء الكوليرا عامَ 1947: تَفشَّى في مصر، وقضى على حياة 10277 شخصاً.
    2ــ وباء كوليرا إيطاليا عامَ 1973: أدى إلى وفاة 24 شخصاً.
    3ــ وباء كوليرا بَنغلادِش عامَ 1991: أدى إلى وفاة 9430-8400 شخصاً.
    4ــ وباء كوليرا أمريكا اللاتينية عامَ 1991: انتشر بين عامَي 1993-1991، وأدى إلى وفاة 8000 شخص.
    5ــ وباء كوليرا نيجيريا عامَ 2001: أودى بحياة أكثر من 400 شخص.
    6ــ وباء كوليرا جنوب أفريقيا عامَ 2001: أودى بحياة 139 شخصاً.
    7ــ وباء كوليرا لواندا عامَ 2006: انتشر في لواندا وأنغولا، وأدى إلى وفاة زهاء 1200 شخص.
    8ــ وباء كوليرا إثيوبيا عامَ 2007: أدى إلى وفاة 684 شخصاً.
    9ــ تَوطُّن الكوليرا في العراق عامَ 2007: حَصَلت خلاله وفاة عشرة أشخاص.
    10ــ وباء كوليرا تشاد عامَ 2008: أدى إلى وفاة 123 شخصاً.
    11ــ وباء كوليرا الهند عامَ 2008: أدى إلى وفاة 115 شخصاً.
    12ــ وباء كوليرا زيمبابوي عامَ 2008: تَفشَّى بين سنتَي 2009-2008، وأدى إلى وفاة 4293 شخصاً.
    13ــ تَوطُّن الكوليرا في هاييتي في عشريات القرن الحادي والعشرين: انتشر بين سنتَي 2019-2010، وأدى إلى وفاة 10075 شخصاً.
    14ــ وباء كوليرا اليمن بين عامَي 2022-2016: أودى بحياة زهاء 4004 شخص.
    15ــ وباء الكوليرا عامَ 2020: انتشر في أنحاء مختلفة من العالم، وأدى إلى وفاة 875 شخصاً في 24 دولة.
    16ــ وباء الكوليرا عامَ 2022: انتشر في أنحاء مختلفة من العالم، وأدى إلى وفاة 1753 شخصاً من إجماليّ 1186159 حالة عدوى.
    17ــ تَوطُّن الكوليرا في سورية عامَي 2023-2022: أدى إلى وفاة 105 أشخاص.
    18ــ وباء الكوليرا عامَ 2023: انتشر في أنحاء مختلفة من العالم، وأودى بحياة 4773 شخصاً من إجماليّ 775522 حالة عدوى.
    مما تَقدَّم يتبيَّن أن داء الكوليرا تَسبَّب عبر تاريخ البشرية في وفاة أكثر من 3,8 ملايين إنسان خلال سبع جائحات، وفي وفاة أكثر من 55 ألف إنسان خلال الأوبئة.
  • 1ــ 5ــ الشاهوق (السُّعال الديكيّ):
    تُسبِّب داءَ الشاهوق (السُّعال الديكيّ) Pertussis, whooping cough جراثيمُ من نوع البورْديتِلّة الشاهوقية Species Bordetella pertussis العَصَوية السلبية الغرام. وتنتقل جراثيم البورديتلة الشاهوقية إلى الإنسان من شخص مصاب أثناء سُعاله أو تَحدُّثه؛ وهي تعدي الأطفال غالباً، ولكنْ يمكن أن تعدي البالغين أيضاً.
    ويتميز داء الشاهوق بحمّى وسَيلان أنف ونوبات سُعالية نمطية مع إصدار صوت كصياح الديك، وقد يستمر السعال الشديد ستة أسابيع أو أكثر، ويمكن أن يصحبه قَيء وزُراق واختلاجات. وللوقاية من الشاهوق يُعطى لَقـاح من بورديتِلّات شاهوقية مقتولة أو لَقاح شاهوقيّ غير خَلَويّ يحوي بروتينات مستضدِّية منُقَّاة، وذلك زَرْقاً داخل العضل بجرعات ثلاث تبدأ من سِنّ ثلاثة أشهر بفاصل شهر واحد-شهرين وبمشاركة لَقاحَي الخُنَــاق والكُــزَاز، أي بشكل لَقاح ثلاثــــيّ “لَقاح خُنَـاق-كُـزَاز-شاهوق” Diphtheria-tetanus-pertussis (DTP) vaccine.
    تَسبَّب داء الشاهوق في مختلف أنحاء العالم في وفيات عامَي 1990 و 2015 قُدِّرت بحوالي 138 ألف حالة وفاة و*58700* حالة وفاة على الترتيب.
  • 1ــ 6ــ الحمى الناكسة:
    تُسبِّب داءَ الحمى الناكسة Relapsing fever جراثيمُ من جنس البوريلية Genus Borellia الحلزونية السلبية الغرام. وتنتقل هذه الجراثيم من إنسان مريض إلى آخر سليم بوساطة القمل Lice أو القُرَاد Ticks، أي أن هناك حمّى ناكسة منقولة بالقمل Louse-Borne Relapsing Fever, LBRF وحمّى ناكسة منقولة بالقُرَاد Tick-Borne Relapsing Fever, TBRF؛ والمنقولةُ بالقمل يسبِّبها نوعُ البوريلية الراجعة Species Borellia recurrentis، وهي متوطِّنة حالياً في إثيوبيا وإريتِريا والصومال والسودان فقط، في حين أن المنقولةَ بالقُرَاد تسبِّبها أنواع أخرى من البوريليات المنقولة بالقُرَاد، وهي تنتشر في الأمريكتين وأفريقيا وآسيا وأوروبا.
    وتتميز الحمى الناكسة بمرحلة حمى تستمر 10-3 أيام، ثم تَرجِع كلّ أسبوع تقريباً، وتتمثل أعراضها في حمى مفاجئة وقشعريرة وصداع وألم عضليّ وغثيان وطفح جلديّ… ويظهر لدى حوالي 60% من المرضى إيلام كبديّ، وقد تَحْدث ضخامة كبد وطحال ويرقان وخَلَل في وظائف الكبد، ويحصل لدى 40% من المرضى تَهيُّج سحايا، كما قد يظهر رُعاف ونزيف تحت الـملتحمة ونَفْث دم… وتُعزى زيادة خطر الوفاة إلى نزيف في الـمخّ والتهاب لعضلة القلب.لقد رُصِد للحمى الناكسة عبر التاريخ وباءان اثنان وتَوطُّن واحد، وهي:
    1ــ وباء الحمى الناكسة الـمنقولة بالقمل بين عامَي 1923-1919 الذي تَفشَّى في أوروبا الشرقية وروسيا، وأدى إلى وفاة خمسة ملايين شخص.
    2ــ وباء الحمى الناكسة الـمنقولة بالقمل خلال الحرب العالمية الثانية الذي انتشر في أوروبا وشمال أفريقيا، وأدى إلى وفاة 50 ألف شخص.
    3ــ توطُّن الحمى الناكسة في السودان عامَي 1999-1998 الذي حَصَلت خلاله وفاة 2800-2000 شخص.
  • 1ــ 7ــ التيفوس:
    تُسبِّب داءَ التيفوس Typhus جراثيمُ من نوع الريكِتْسية البروفاتسِكية Species Rickettsia prowazekii؛ وهي جراثيم عُصوَّرة، أي عَصَوية مُكوَّرة Coccobacilli، وسلبية الغرام، وهوائية مجبَرة على التطفل داخل الخلايا. وتصيب جراثيمُ الريكِتْسية البروفاتسِكية قملَ الجسمBody lice الذي ينقلها بدوره إلى الإنسان غير المصاب عن طريق العَضّ.
    تتمثل أعراض التيفوس الوبائيّ في حمى وقشعريرة وصداع وسعال وتنفس سريع وألم عضليّ وقَيء وطفح جلديّ بقعيّ…؛ فيما تتمثل مضاعَفاته في التهاب رئويّ والتهاب عضلة القلب والتهاب بنكرياس والتهاب سحايا…
    لقد سُجِّلت للتيفوس عبر التاريخ سبعة أوبئة أودت بحياة 4-3 ملايين إنسان، وهي:

    1ــ وباء التيفوس الإسبانـيّ عام 1492-1482: أدى إلى وفاة 17 ألف شخص.
    2ــ وباء تيفوس روسيا عام 1812: تَفشَّى بشكل خاصّ وسط الجنود الفرنسيين أثناء انسحاب نابليون من موسكو، وذلك جَرّاء تَفشِّي القمل بينهم، وأدى إلى وفاة حوالي 300 ألف شخص.
    3ــ وباء تيفوس إيرْلندا بين عامَي 1819-1816: انتشر خلال الـمجاعة الإيرلندية التي حَصَلت بسبب البرد القارس الـمتواصل بين العامين الـمذكورين، وأودى بحياة حوالي 100 ألف شخص.
    4ــ وباء تيفوس إيرْلندا بين عامَي 1849-1846: تَفشَّى خلال الـمجاعة الإيرلندية الكبرى التي حَدَثت بين العامين المذكورين، وكان مسؤولاً سويةً مع وباء للحمى التيفية عن وفاة 400 ألف شخص.
    5ــ وباء تيفوس كندا عام 1847: انتشر عامَي 1848-1847، وأودى بحياة أكثر من 20 ألف شخص.
    6ــ وباء تيفوس صربيا خلال الحرب العالمية الأولى: أدى إلى وفاة زهاء 150 ألف شخص.
    7ــ وباء تيفوس روسيا 1922-1918: أدى إلى وفاة 3-2 ملايين شخص.

  • 2ــ العدوى بالجراثيم الإيجابية الغرام:

    2ــ 1ــ السُّل (التَّدَرُّن):
    تُسبِّب داءَ السُّلّ (التَّدرُّن) Tuberculosis جراثيمُ من نوع المُتَفَطِّرة السُّلِّية (عُصَيّة السُّـلّ، عُصَيّة كوخ) Species Mycobacterium tuberculosis, Bacillus tuberculosis, Tubercle bacillus, TB, Koch’s bacillus العَصَوية الإيجابية الغرام. وتنتقل الـمُتَفطِّرات السُّلّية (عُصَيّات السُّلّ) إلى الإنسان من إنسان آخر مصاب عن طريق العطس أو السعال او البصق أو التحدُّث. وهذه الجراثيم هي عُصَــيّات عَصِيّة على الحموض Acid-fast bacilli, AFB، تبدو في اللُّطَاخة المباشرة المصبوغة بصبغة تسيل-نيلسِن Ziehl-Neelsen stain عُصَيّات حمراء ساطعة (على أرضية زرقاء) قصيرة جداً (بطول 4-1 مكم) مستقيمة أو منحنية قليلاً. وتُفحَص عصيات السُّلّ في القشع (وخاصة أوّل قشع صباحيّ) لتشخيص السُّلّ الرئـويّ Pulmonary tuberculosis، وفي راسب التيار الأوسط لأوّل بول صباحيّ لتشخيص السُّلّ الكُلويّ Renal tuberculosis، وفي راسب السائل الدماغيّ الشوكيّ CSF لتشخيص التهاب السـحايا السُّـليّ Tuberculous meningitis (وخصوصـاً لدى الأطفـال)، وفي قيـح الخُـرَاج Abscess لتشـخيص السُّـلّ العظمـيّ Bone tuberculosis … ويقتصر تأثير السُّلّ على الرئتين في أكثر من 80٪ من الحالات.
    إن داء السُّلّ داء قديم عمره آلاف السنين. وقد أصبح وباءً في أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؛ فقد وصل معدَّل الوفيات بالسُّلّ في القرن الثامن عشر إلى حوالي 900 حالة وفاة لكلّ مائة ألف نسمة سنوياً في أوروبا الغربية، بما في ذلك مدن مثل لندن وستوكْهولْـم وهامْبورْغ؛ وفي القرن التاسع عشر قَتل السُّلّ حوالي ربع سكان أوروبا البالغين. وفي عام 1882 اكتشف روبِرت كوخ Robert Koch الـمُتَفطّرةَ السُّلّية، وبيَّن أنها السبب الوحيد لداء السُّلّ بمختلف أشكاله. وفي عام 1890 طَوَّر كوخ مستحضَراً بروتينياً من الجراثيم دُعِيَ باسم السُّلِّين Tuberculin، ووَجد شارل مانْتو Charles Mantouux عام 1908 أن اختبار السُّلِّين داخل الجلد وسيلة فعالة لتشخيص داء السُّلّ. وفي عام 1895 اكتشف وِلْيَم رونْتْجين Wilhem Rongen الأشعة السينية التي سمحت للأطباء بتشخيص وتَتبُّع تطوُّر المرض. وعلى الرغم من أن العلاج الطِّبِّـيّ الفعّال لداء السُّلّ لم يأتِ إلا بعد خمسين عاماً أخرى، إلا أن حالات العدوى بداء السُّلّ أخذت تتناقص. وفي عام 1921 طُبِّق لأول مرة على البشر في فرنسـا اللقــاح الـمضادّ لداء السُّــلّ الذي عُرف باسم لقــاح عُصَية كالْمِـت-غيراِن BCG Bacille Calmette-Guerin, تكريماً للعالمين ألبِرْت كالـْمِت Albert Calmette وكـَميل غيران Camille Guérin اللذين حَضَّرا هذا اللقاح من ذُرِّية مُضعَّفة من الـمُتفطِّرة البقرية Mycobacterium bovis؛ ويُعطى لقاح BCG داخل الجلد بجرعة 1‚0 سم3 في الأسبوع الأول من الحياة، علماً بأنه يمكن إعطاؤه لأيّ شخص شريطة أن يكون اختبار السُّلِّين لديه سلبياً قبل التلقيح؛ هذا وإن اختبار السُّلِّين يصبح إيجابياً بعد التلقيح بلقاح BCG، الأمر الذي يسمح بالتأكد من نجاح عملية التلقيح فيما لو أُجرِي اختبار السُّلّين بعد التلقيح بحوالي شهر ونصف. إن عصيات السُّلّ تنتقل بشكل أساسيّ عن طريق القُطَيرات الضَّبوبية Aerosol أثناء السُّعَال والعُطَاس والمحادثة.
    هذا وقد رُصِد وباء السُّلّ في إنكلترا وويلز بين عامَي 1910-1851، حيث أسفر عن وفاة حوالي أربعة ملايين شخص. كما رُصِد قبل ذلك بحوالي ستين سنة توطُّن السُّلّ في مدينة بريسْتول الإنكليزية بين عامَي 1790-1796، حيث تَسبَّب في وفاة 683 شخصاً.
    وقد رُصِدت جائحة سُلّ عام 2022، حيث انتشر المرض في أنحاء مختلفة العالم، وأودى بحياة 1,3 ملايين شخص (بمن فيهم 167 ألف شخص مصاب بفيروس إيدز)، وذلك من الجنسين من مختلف الفئات العمرية، علماً بأن مجموع حالات الإصابة بداء السُّلّ في العالم في ذلك العام بلغ نحو 10,6 ملايين حالة؛ وكان أكثر من ثلثَي مجموع الإصابات العالـميّ الجديد في ذلك العام في بنغلاديش والصين والكونغو الديمقراطية والهند وإندونيسيا ونيجيريا وباكستان والفيليبين. هذا ولا يزال السُّلّ الـمقاوم للأدوية الـمتعددة يُمثِّل أزمة صِحِّية عامة ويشكِّل تهديداً للأمن الصِّحِّـيّ؛ ويُعَدّ السُّلّ في العالم ثاني أهم الأمراض الـمُعْدِية القاتلة بعد كوفيد-19.

  • 3ــ العدوى بفيروسات الرنا:

  • 3ــ 1ــ التهاب الكبد س:
    تُسبِّب التهابَ الكبد س Hepatitis C فيروساتُ رنا من نوع فيروس التهاب الكبد س Species Hepacivirus C, Hepatitis C virus, HCV، الذي ينتمي إلى جنس الفيروس الـمُصَفِّر Genus Flavivirus. وعلى الرغم من أن الاكتشاف الأوليّ لهذا الفيروس قد حَصَل منذ أواسط سبعينيات القرن العشرين، حيث اعتُبِر آنذاك مسؤولاً عن 80% من حالات التهاب الكبد اللاألفيّ واللابائيّNon-A non-B hepatitis, NANBH ، فإن الاكتشاف الفعليّ لهذا الفيروس تَأخَّر حتى عام 1989، وحينئذ كان قد أصاب 123 مليون شخص في أنحاء العالم. إن هذا الفيروس ينتقل إلى الإنسان عن طريق الدم، كما يمكن أن ينتقل عن طريق الاتّصال الجنسيّ، وإنْ بِـمعدَّل منخفض نسبياً؛ وخطر العدوى قائم لدى تَعاطي الـمُخدِّرات عن طريق الوريد وتَلقِّي منتَجات الدم، وأحياناً لدى الخضوع لغسيل الكلى، ولدى عدم التقيّد بالتعقيم اللازم أثناء معالجة الأسنان أو الحلاقة أو خلال الـممارسات الطقوسية كالخِتان والوَخْز بالإبر والوَشْم. ولا يوجد لقاح ضد التهاب الكبد س.
    ويتراوح دور حضانة التهاب الكبد س بين 12-4 أسبوعاً، وأحياناً أكثر، ويسـير عموماً دون أعراض، أو بأعراض خفيفة تُشْبِه أعراض النَّزْلة الوافدة (الإنفلونزا)، علماً بأن اليرقان هنا هو أقلّ تواتراً مما هو عليه في التهابَـي الكبد الفيروسيين الآخرين أ و ب، حيث يحصل فقط في حوالي 25% من الحالات، كما أن إنزيم ALT (GPT) في المصل قد لا يبدي ارتفاعاً في العدوى الفعّالة بفيروس التهاب الكبد س. ويحصل شِفاء من التهاب الكبد س الحادّ في حوالي 25٪ من الحالات، في حين تتطور حوالي 75٪ من الحالات إلى التهاب كبديّ مزمن، وذلـك بعد نحو ستة أشهر من بداية الالتهاب الحاد؛ وهذا التطور يتم عادة بِـمَكْر، ولكـنْ مع ارتفاع لفاعلية إنزيم ALT (GPT) في المصل في حوالي 70٪ من الحالات. وبعد تَطوُّر الالتهاب الكبديّ المزمن تستمر العدوى مدى الحياة. ونحو 30-20٪ من حالات التهاب الكبد س المزمن تتطور إلى تشمُّع كبديّ، وحتى 2٪ منها تتطور إلى سرطان كبديّ.
    هذا ويبلغ معدَّل الإصابة بالتهاب الكبد س في العالم وسطياً بين 3,5-1%؛ ويُقدَّر في سورية بمعدل منخفض نسبياً – حوالي 1٪؛ في حين كان المعدل في مصر عالياً جداً – أعلى معدل في العالم، حيث بَلغ 22% عام 2011، إلا أنه بفضل الجهود الحثيثة الفعّالة التي بذلتها الدولة أخذ المعدل يتراجع كثيراً بحيث انخفض حتى 2% فقط عام 2021؛ وكان سبب ارتفاع معدل الإصابة بالتهاب الكبد س في مصر حَمْلة علاج داء البِلْهارْسيا باستخدام محاقن زجاجية غير معقَّمة بشكل مناسب.
    في عام 2018 أعلنت منظمة الصحة العالمية أن أكبر عدد من المصابين بالتهاب الكبد س في العالم كان في الصين (9,8 مليون)، تليها باكستان (7,2 مليون)، ثم الهند (6,2 مليون).
    وفي عام 2021 قَدَّرت منظمة الصِّحّة العالمية أن عدد المصابين في العالم بالتهاب الكبد س Hepatitis C الـمزمن عام 2019 كان 58 مليون شخص، تُوفِّيَ منهم في ذلك العام حوالي 290 ألف شخص، وكان سبب الوفاة بشكل رئيسيّ تشمُّع الكبد وسرطان الكبد اللذين سبَّبهما هذا الداء.

  • 3ــ 2ــ كوفيد-19:
    تُسبِّب كوفيدَ-19COVID-19 ، أي داءَ الفيروس التاجيّ-2019 Coronavirus Disease-2019، فيروساتُ رنا من ذُرِّية الفيروس التاجيّ-2 للـمتلازمة التنفسية الحادّة الوخيمة Strain Severe Acute Respiratory Syndrome Coronavirus-2 ، اختصاراً SARS-CoV-2، التي تنتمي إلى جنس الفيروس التاجيّ بِتا Genus Betacoronavirus.
    وقد أخذ فيروس كوفيد-19 ينتشر بين البشر بدءاً من شهر كانون الأول 1919 انطلاقاً من مدينة وُوهان الصينية، وتَحوَّل انتشاره إلى وباء خطير، وفي أواسط شهر آذار عام 2020 أُعلِن عنه كجائحة عالمية شديدة الخطورة من قِبل منظمة الصِّحّة العالمية، وحتى أوائل عام 2021 تَفشَّى المرض في 219 دولة. إن الفيروس الـمسبِّب لكوفيد-19 ينتقل بشكل أساسيّ عن طريق قُطَيرات اللعاب وإفرازات الأنف لدى السعال. ودَوْر حضانة هذا المرض يبلغ 6-5 أيام، ويمكن أن يطول حتى 14 يوماً.
    وتتمثل أعراض كوفيد-19 الأكثر شيوعاً في حمى وسعال جافّ وضِيق نَفَس وصعوبات تنفسية وإرهاق، ويمكن أن تتطور الأعراض إلى ذات رئة ومتلازمة تنفسية حادّة وقصور كلية… وموت.
    وأفضل طرق الوقاية من العدوى بفيروس كوفيد-19 غَسْل اليدين بالماء والصابون أو تطهيرهما بكحول أو مُطهِّرات أخرى بشكل متكرر وعدم لَمْس الوجه وارتداء كِمَامة فم وأنف والتباعد الاجتماعيّ لأكثر من متر ونصف وعدم التقبيل والمصافَحة وعدم السفر إلى المناطق الموبوءة. ولا شك أن اللَّقَاحات ضدّ فيروس كوفيد-19 التي صنعتها بعض الدول على نحو واسع لعبت دوراً بالغ الأهمية في انحسار هذا الوباء اللعين.
    هذا وتُبيِّن الـمَراجع العلمية أن من المفيد جداً خلال انتشار وباء كوفيد-19 تقوية الجهاز المناعي بِمُكمِّل غذائـيّ مناسب كالأقراص الفوّارة المحتوية على فيتامين C والزِّنْك وفيتامين D3 بالنسب 1000 مغ: 10 مغ: 10 مكغ على الترتيب بمعدل قرص واحد في كأس ماء كلّ يوم.
    إن جائحة كوفيد-19 (داء الفيروس التاجيّ-2019) COVID-19 Pandemic تَفشَّت في مختلف أنحاء العالم منذ عام 2019 حتى الآن، وأدّت إلى وفاة حوالي 36,6-7 ملايين شخص.
  • 3ــ 3ــ الإيدز:
    تُسبِّب الإيدزَ، أي متلازمةَ عَوز الـمناعة الـمكتسب Acquired Immune Deficiency Syndrome، فيروساتُ رنا من نوعين هما: فيروس عَوَز الـمناعة البشرية-1 Human Immune Deficiency Virus-1, HIV-1 (HIV-I) وفيروس عَوَز الـمناعة البشرية-2 Human Immune Deficiency Virus-2, HIV-2 (HIV-II) اللذان ينتميان إلى جنس الفيروس العَدَسيّ Genus Lentivirus. وتنتقـل فيروسات الإيدز بنوعيهـــا HIV-1 الـمنتشـــر عالميــاً و HIV-2 الـمنتشر في غرب أفريقيا بالطرق التالية: الاتصال الجنسيّ بين شريكين من الجنسين أو من جنس واحد عندما يكون أحد الشريكين مصاباً؛ الزَّرْق الوريديّ بإبر ومحاقن ملوَّثة بالفيروس أو استخدام أدوات جراحية وشفرات ملوَّثة؛ نَقْل موادّ أو أعضاء بشرية مخموجة: دم أو سوائل بدنية أخرى أو كليـة أو قلب…؛ انتقال من الأم المخموجة إلى طفلها داخل الرحم أو أثناء الولادة. وتُشكِّل سوائل البدن التالية مصدراً لنقل فيروس عَوَز المناعة البشرية: الدم، السائل الـمنويّ، الـمُفرَزات الـمَهبِلية، اللعاب، الدمع، البول، السائل الدماغيّ الشوكيّ.
    إن عدوى فيروس عَوَز المناعة البشرية هي بدور حضانة يتراوح بين 6 شهور-عدة سنوات، بيد أن أضدادها تَظهر في المصل في غضون أسابيع قليلة بعد بداية العدوى، وأحياناً حتى 6 أشهر. وتلي دورَ الحضانة مرحلةٌ حادّة تتميز بأعراض شبيهة بأعراض النَّزْلة الوافدة (الإنفلونزا)، وبألم أطراف وحمى وتَورُّم عُقَد ليمفاوية وطفح بقعيّ وأعراض عصبية؛ وتلي ذلك مرحلة كمون يمكن أن يبدي المريض فيها تحسُّناً سريرياً أو تردِّياً إلى مرحلة متلازمة عَوَز المناعة المكتسب (الإيدز) الكاملة التي تتميز بتَكيُّس رئويّ وتَعرُّض لعدوى انتهازية كالسُّلّ وداء الـمُقوَّسات (التوكْسوبلازموز) … وتنتهي حتماً بالموت. وبشكل عامّ فإن فيروس عَوَز المناعة البشرية يسبِّب موت حَمَلته في 30٪ من الحالات على الأقلّ.
    يُعتبَر الإيدز متلازمة متوطِّنة بشكل مُفرِط في جنوب أفريقيا، حيث يصاب بها أكثر من 20% من البالغين، أو حوالي شخص واحد من كل خمسة بالغين، في حين يصاب به في الولايات الـمتحدة شخص واحد من كل 300 شخص تقريباً.
    منذ عام 1981 حتى الآن تَفشَّى الإيدز (متلازمة عَوز الـمناعة الـمكتسب AIDS)/فيروس عَوَز الـمناعة البشرية HIV في مختلف أنحاء العالم؛ وأدت جائحة الإيدز هذه حتى عام 2023 إلى وفاة 42 مليون شخص.
  • 3ــ 4ــ النَّزْلة الوافدة (الإنْفلوَنْزا):
    تُسبِّب النَّزْلةَ الوافدة (الإنْفلوَنْزا) Influenza, grippe, flu فيروساتُ رنا من الأنواع الأربعة التالية: نوع فيروس الإنفلونزا أ Species Influenza A virus، نوع فيروس الإنفلونزا ب Species Influenza B virus، نوع فيروس الإنفلونزا س Species Influenza C virus، نوع فيروس الإنفلــونـــزا د Species Influenza D virus؛ وتنتمي الأنواع الأربعة المذكورة إلى فصيلة الفيروسات الـمخاطية القويمة Family Orthomyxoviridae. النوع أ مصدره الأساسيّ الطيور المائية، ومنها ينتشر إلى البشر والخنازير، والنمطان ب و س يصيبان بشكل أساسيّ الإنسان، وأما النمط د فقد وُجِد في الـماشية والخنازير؛ ويجول النمطان أ و ب بين البشر مسبِّبين أوبئة موسمية، فيما يسبب النمط س عدوى خفيفة، بشكل أساسيّ لدى الأطفال، وأما النمط د فيمكنه أن يصيب الإنسان، ولكنْ غير معروف تَسَبُّبه في مرض.
    ومعلوم أن أعراض النزلة الوافدة تتمثل في حمى وسَيَلان أنف والتهاب حلق وألم عضليّ وصداع وسعال وتعب…؛ ومن مضاعَفاتها الالتهاب الرئويّ الفيروسيّ والالتهاب الرئويّ الجرثوميّ الثانويّ…
    ويقلِّل من خطر العدوى بفيروس الإنفلونزا التباعدُ الاجتماعيّ وارتداء الكِمَامة وغسل اليدين بالماء والصابون وتطهير اليدين بالكحول… ؛ علماً بأن لقاحات الإنفلونزا الـمتوفرة هي عادة ضد ثلاثة أو أربعة أنواع من الإنفلونزا وفعّالة لمدة سنة واحدة فقط.
    تَسبَّبت الإنفلونزا عبر التاريخ في وفاة أكثر من 110-21,5 ملايين إنسان، وذلك من خلال أربع جائحات هي:
    1ــ جائحة نزلة (إنْفلوَنْزا) عام 1557: انتشرت بين عامَي 1559-1557 في آسيا وأفريقيا وأوروبا والأمريكتين، وأدت إلى وفاة 5-2,5 ملايين شخص.
    2ــ جائحة عامَي 1890-1889: انتشرت في أنحاء مختلفة من العالم، وكان المرض المتفشِّي إما نزلة أو عدوى فيروس تاجيّ، وأودى بحياة مليون شخص.
    3ــ جائحة نزلة عام 1918 أو النزلة الإسبانية: تَفشّت بين سنتَي 1920-1918 في أنحاء مختلفة من العالم، وخاصة في إسبانيا وفرنسا وبريطانيا وألـمانيا…، وأدت إلى وفاة 100-17 مليون شخص.
    4ــ جائحة نزلة عامَي 1958-1957 أو الإنفلونزا الآسيوية: انتشرت في أنحاء مختلفة من العالم، وخاصة في الصين وجنوب شرق آسيا وإندونيسيا والهند…، وأدت إلى وفاة 4-1 ملايين شخص.
    وعلاوة على جائحات الإنفلونزا سُجِّلت عبر التاريخ أربعة أوبئة تُوفِّيَ خلالها أكثر من 4,7-1,7 ملايين إنسان، وهي:
    1ــ وباء شعب ويانْدوت Wyandot الأمريكيّ الشماليّ بين عامَي 1640-1634: كان وباءً مزدوجاً، بالنزلة والجُدَريّ، وأودى بحياة 25000-15000 شخص.
    2ــ نزلة هونغ كونغ Hong Kong Flu: انتشرت بين سنتَي 1970-1968 في أنحاء مختلفة من العالم، وخاصة في هونغ كونغ والصين، وأدت إلى وفاة 4-1 ملايين شخص.
    3ــ نزلة لندن London Flu: انتشرت سنتَي 1973-1972 بشكل خاصّ في إنكلترا الولايات الـمتحدة، وأودت بحياة 1027 شخص.
    4ــ وباء النزلة الروسية عامَ 1977: انتشر في أنحاء مختلفة من العالم بين عامَي 1979-1977، وأدى إلى وفاة 700 ألف شخص.
  • 3ــ 5ــ إنفلونزا الخنازير:
    سَبَبُ إنفلونزا الخنازير Swine Influenza هو فيروسات رنا من النُّمَيطُ H1N1 (Subtype H1N1) لفيروس الإنفلونزا أ.
    وأعراضُ إنفلونزا الخنازير تشبه أعراض الإنفلونزا بشكل عام، وتشتمل على حمى وقشعريرة وسعال وعطس وسيلان أنف والتهاب حلق وكثرة دمع وألم عضليّ وضِيق نَفَس وصداع ودوخة وتعب وإسهال وألم معدة وقَيء… ومضاعَفاتها تتمثل في التهاب رئويّ وقصور تنفسيّ وقصور كلويّ. وقد تسبَّبت إنفلونزا الخنازير H1N1 في إصابة البشر عام 2009.
    سُجِّلت جائحة إنفلونزا الخنازير عامَي 2010-2009، حيث تَفشَّت في أنحاء مختلفة من العالم، وخاصة في الـمكسيك والولايات الـمتحدة، وأودت بحياة 284 ألف شخص.
    وفي عام 2015 رُصِد توطُّن لإنفلونزا الخنازير في الهند أدى إلى وفاة 2035 شخصاً.
    4ــ جائحة نزلة عامَي 1958-1957 أو الإنفلونزا الآسيوية: انتشرت في أنحاء مختلفة من العالم، وخاصة في الصين وجنوب شرق آسيا وإندونيسيا والهند…، وأدت إلى وفاة 4-1 ملايين شخص.
    وعلاوة على جائحات الإنفلونزا سُجِّلت عبر التاريخ أربعة أوبئة تُوفِّيَ خلالها أكثر من 4,7-1,7 ملايين إنسان، وهي:
    1ــ وباء شعب ويانْدوت Wyandot الأمريكيّ الشماليّ بين عامَي 1640-1634: كان وباءً مزدوجاً، بالنزلة والجُدَريّ، وأودى بحياة 25000-15000 شخص.
    2ــ نزلة هونغ كونغ Hong Kong Flu: انتشرت بين سنتَي 1970-1968 في أنحاء مختلفة من العالم، وخاصة في هونغ كونغ والصين، وأدت إلى وفاة 4-1 ملايين شخص.
    3ــ نزلة لندن London Flu: انتشرت سنتَي 1973-1972 بشكل خاصّ في إنكلترا الولايات الـمتحدة، وأودت بحياة 1027 شخص.
    4ــ وباء النزلة الروسية عامَ 1977: انتشر في أنحاء مختلفة من العالم بين عامَي 1979-1977، وأدى إلى وفاة 700 ألف شخص.
  • 4ــ العدوى بفيروسات الدَّنا:

    4ــ 1ــ الجُدَريّ:
    تُسبِّب داءَ الـجُدَريّ Variola, smallpox فيروساتُ دنا من نوع فيروس الجُدَريّ Species Variola virus، الذي ينتمي إلى جنس الأورثوبوكس Genus Orthopoxvirus. وينتقل داء الجُدَريّ بالاحتكاك المباشر مع شخص مصاب، ونادراً عن طريق الأشياء الـملوَّثة.
    وتتمثل أعراض الجُدَريّ في حمى وقَيء وتقرُّحات فموية وطفح جلديّ، ثم بثور ملأى بسوائل، تتقشر وتُخلِّف ندوباً؛ ومن مضاعَفات الداء العمى والوفاة.
    وللجُدَريّ لقاح استُخدِم منذ أكثر من مائتَي عام. وقد أَعلنت منظمة الصحة العالمية استئصال هذا الداء من العالم عام 1980.
    إن الجُدَريّ داء قديم جداً، فقد انتشرت بين سنتَي 190-165 م في الإمبراطورية الرومانية جائحة سُمِّيَت جائحة الطاعون الأنطونـيّ أو طاعون جالينوس Antonine Plague Pandemic/Plague of Galen سبَبُها غالباً داء الجُدَريّ Variola, smallpox وداء الحَصْبة Morbilli, measles، علماً بأن داء الحصبة يسببه فيروس رَنا من نوع فيروس الحصبة Species Morbillivirus, measles virus؛ وأدت هذه الجائحة إلى وفاة 10-5 ملايين شخص، ما مًثَّل حينئذ 6-3% من سكان العالم، أو 33-25% من سكان الإمبراطورية الرومانية؛ وكانت تسمية هذه الجائحة نسبةً اسم السُّلالة التي حَكمت الإمبراطورية الرومانية وقتَ تَفشِّيها “الأنطونيون”، ونسبةً إلى الطبيب اليونانيّ الشهير جالينوس الذي وصفها. وبين سنتَي 262-249 م تَفشَّت في أوروبا جائحة جدريّ عُرِفت باسم جائحة الطاعون القبرصيّ وأسفرت عن وفاة 310 آلاف شخص.
    وقد انتشر في العالم عبر التاريخ 21 وباء جدريّ أودى بحياة زهاء 10,5-7,9 مليون إنسان، كان أقواها وباء الجدريّ اليابانـيّ بين سنتَي 737-735 م الذي أدى إلى وفاة مليونَـي شخص، ما مًثَّل 1% من سكان العالم، أو 33% من سكان اليابان؛ وباء الجدريّ المكسيكـيّ سنتَي 1520-1519 الذي أودى بحياة 8-5 ملايين شخص، ما مًثَّل 2-1% من سكان العالم، أو 37-23% من سكان الـمكسيك؛ وباء جدريّ تشيلي عام 1561 الذي أسفر عن وفاة 150-120 ألف شخص؛ وباء جدري ويلز الجنوبية الجديدة الأوسترالية عامَي 1790-1789 الذي أدى إلى وفاة أكثر من 175-125 ألف شخص؛ وباء جدري أوروبا بين عامَي 1875-1870 الذي أودى بحياة أكثر من 500 ألف شخص.

  • 4ــ 2ــ التهاب الكبد ب:
    تُسبِّب التهابَ الكبد ب Hepatitis B فيروساتُ دنا من نوع الفيروس الكبديّ ب Species Hepatovirus B, Hepatitis B virus, HBV وجنس الفيروس الأورثوكبديّ Genus Orthohepadnavirus. وقد اكتُشِف هذا الفيروس عام 1970 من قِبـل دِن Dane؛ وله ثلاثة مُستضِدّات أهمها “الـمُستضِدّ السطحيّ لالتهاب الكبد ب” Hepatitis B Surface Antigen، الذي يُرمَز له بـالرمز HBsAg، والذي يُعرَف أيضاً باسم “الـمُستضدّ الأَوستراليّ” Australian antigen. وانتقال HBsAg، أو بالأحرى الفيروس الذي يدخل هذا المستضد في تركيبه، يتم بشـكل أساسيّ عن طريق الدم بإحدى الطرق التالية:
    – استخدام الأدوات الطبية الملوَّثة بالفيروس: الـمَحاقن، الإبر، الواخزات، الأدوات الجراحيـة بما فيها السُّـنّية، وكذلك فراشي الأسنان وشفرات الحلاقة الملوَّثة، والتَّحَالّ الدمويّ Hemodialysis، والإجراءات غير العقيمة: الخِتان، ثَقْب الأذن، الوَشْم، الحِجامة…
    – نَقْل الدم من مصاب بالفيروس. وبسبب انتقال التهاب الكبد ب عن طريق الدم الملوَّث بفيروس هذا الداء فقد دُعي أيضاً باسم “التهاب الكبد المصليّ”.
    – انتقال أثناء الولادة من الأم المصابة إلى وليدها، وخاصة إذا كانت الأم إيجابية HBsAg (الـمُستضدّ السطحيّ لالتهاب الكبد ب، الأَوستراليّ).
    – طرق أخرى كقَرْص الحشرات الـماصّة للدم والاتّصال الجنسيّ.
    إن التهاب الكبد ب يتميز بدور حضانة طويل نسبياً (180-40 يوماً). وحوالي90٪ من المصابين بهذا الداء تَظهر لديهم أعراض سريرية (يرقان ووظيفة كبدية شاذة…)، وتكون العدوى لدى معظمهم محدودة ذاتياً، ويشفون دون عقابيل مزمنة، ولكن حوالي 5% من المصابين البالغين يتطور لديهم المرض إلى التهاب كبديّ مزمن يمكن أن يتطـور بدوره إلى تشمُّع كبديّ، فسرطان كبديّ. ومن جهة أخرى فإن هذا الداء يتميز في نحو 10٪ من الحـالات بإمكانية الحمل المزمن للفيروس غير المصحوب بأعراض، ولكنْ مع استمرار العدوى وإمكانية نقل الفيروس. وللوقاية من هذا الداء يوصى بالتمنيع العام باللَّقاحات الفعالة الحديثة بجرعات ثلاث (جرعة أولى، ثم ثانية بعد الأولى بشهر واحد، ثم ثالثة بعد الأولى بستة أشهر)، وذلك للرُّضَّـع والأشخاص المعرَّضين لخطر الإصابة، بِمَن فيهم الشركاء الجنسيين، ويمكن إعطاؤه للحوامل والـمرضِعات.
    حسب بيانات منظمة الصحة العالمية لعام 2019 فإن حَمَلة التهاب الكبد ب في العالم قُدِّر عددهم بحوالي 296 مليون شخص، تُوفِّـيَ منهم في العام نفسه 820 ألف شخص، غالباً بسبب التشمّع أو السرطان الكبديين؛ وفي أواسط العَقد الأول من القرن الحادي والعشرين قُدِّر عدد المصابين بنحو 400 مليون شخص؛ ويحصل كلّ عام 1,5 مليون إصابة جديدة. وفي أماكن كثيرة في آسيا وأفريقيا أصبح التهاب الكبد ب مرضاً مُتوطِّناً. وحسب بيانات بنك الدم في سورية لعام 2003 فإن معدل انتشار التهاب الكبد ب في سورية يبلغ نحو 4%.
  • 5ــ العدوى بالطفيليات:

    5ــ 1ــ داء الـمِثْقبيات الأفريقيّ:
    تُسبِّب داءَ الـمِثْقبيات الأفريقيّ أو مرضَ النــوم African trypanosomiasis, sleeping sickness طُفَيليّاتٌ وَحيدةُ الخلية من نوع الـمِثْقبية البروسية Species Trypanosoma brucei، الذي ينتمي إلى جنس الـمِثْقبية Genus Trypanosoma. ونوع الـمثقبية البروسية الـمسبِّب لداء الـمثقبيات الأفريقيّ أو مرض النــوم نُوَيعان (نوعان ثانويان) هما: نُوَيع الـمِثْقبية البروســــية الغامبييـــة Subspecies Trypanosoma brucei gambiense,TbG الـمسؤول عن 92% من حالات المرض الـمُبلَغ عنها، ونُوَيع الـمِثْقبية البروسية الروديسية Subspecies Trypanosoma brucei rhodesiense, TbR، وكلاهما ينتقل إلى الإنسان عادة عن طريق لدغة ذبابة تْسي تْسي Tsetse fly مصابة.
    وتتمثل أعراض داء الـمثقبيات الأفريقيّ في حمى وصداع وحكّة وآلام مَفصِلية، ثم صعوبة في النوم واختلاج وضعف تنسيق…، وينتهي المرض بالموت في حال عدم العلاج. هذا ويَحْدث المرض بانتظام في بعض مناطق جنوب الصحراء الكبرى، وخاصة في الكونغو الديمقراطية وجنوب شرق أوغندا وغرب كينيا.
    تَسبَّب داء الـمِثْقبيات الأفريقيّ أو مرض النــوم عبر التاريخ في وفاة 847-747 ألف إنسان، وذلك في حوض الكونغو وأوغندا، وجنوبيّ الصحراء الكبرى، وكانت أكثر الوفيات في حوض الكونغو بين عامَي 1906-1896، وفي أوغندا بين عامَي 1920-1900، حيث بلغت على الترتيب 500 ألف و*300-200 ألف* شخص. ولم تخلُ السنوات الأخيرة من الوفيات بهذا الداء، إذ بلغت عام 2015 جنوبيَّ الصحراء الكبرى 3500 حالة وفاة.

  • 5ــ 2ــ الـبُرَداء (الـمَلاريا):
    تُسبِّب داءَ البُرَداء (الـمَلاريا) Malaria طُفَيلياتٌ وحيدة الخلية من الأنواع الأربعة التالية: الـمتصوِّرة النشيطة Plasmodium vivax والـمتصوِّرة الوبالية Plasmodium malariae والـمتصوِّرة الـمِنجَلية Plasmodium falciparum والـمتصوِّرة البيضوية Plasmodium ovale. والـمتصوِّرة الـمِنجَلية هي أخطر الأنواع. وتنتقل الـمتصوِّرة إلى الإنسان بِقَرصة ماصًّة للدم من أنثى ناموس الأَنْفيل Anopheles mosquito الذي يَكثر بصورة خاصة في مناطق المستنقعات. هذا وقد أصبحت أوروبا خالية من الـملاريا منذ عام 2015.
    تتمثل أعراض البُرَداء في صداع وتعب وأوجاع عضلية وحمى نَوْبية وتعرُّق غزير وفقر دم ناقص الصِّباغ انحلاليّ وقُياء وضخامة طحال وكبد…؛ وأما مضاعَفات المرض فتتمثل في نوبات وسُبَات… ويُشخَّص المرض بالتحرّي عن طفيليات البرداء في فِلم دم محيطيّ باعتبار أنها تتوضع داخل الخلايا الحمر، حيث تبدو فيها بِهَيولى زرقاء يمكن أن تحوي حُبَيبات سوداء أو بُنّية وبنواة ذات صِبْغين أحمر.
    تَسبَّبَ داءُ الملاريا عامَ 2021 في أنحاء مختلفة من العالم، وخاصة جنوبيَّ الصحراء الكبرى لدى الأطفال بعمر خمس سنوات أو أقلّ، في وفاة 619 ألف شخص من أصل 247 مليون حالة إصابة.
    إن داء الملاريا داء قديم، وهكذا فقد رُصِد شمالَ غرب المحيط الهادئ وفي الولايات المتحدة بين عامَي 1833-1829، وأدى إلى وفاة 150 ألف شخص، كما رُصِد في مدينة غرونينغينGroningen الهولندية عام 1829، وأودى بحياة 2800 شخص، وفي سيلان بين عامَي 1936-1906، وقضى على حياة 80 ألف شخص، وفي الهند عام 2006 وأدى إلى وفاة 17 ألف شخص

تابعونا عبر وسائطنا على السوشيال ميديا بالضغط على الأيقونة التالية

للاطلاع على خدماتنا الاستشارية عن بعد يمكنكم الضغط على الأيقونة التالية