بقلم : ايمن خسرف

قد يعتقد القارئ لأول مرة أنه يقرأ هذا العنوان في موقع اخباري أو يشاهده على قناة إخبارية، لكن عليك أن تتأكد أنك في موقع مجموعة داويني للصحة الرقمية، وكاتب المقال هو نفسه مؤسس المجموعة وهو أيضا طالب في كلية الشريعة في منتصف الطريق ويتهيأ لدراسة العلوم السياسية، أنهى قبل سنوات عدة دراسة الصيدلة والكيمياء الصيدلية والماجستير في التشخيص المخبري وكثير من الدورات في إدارة الأعمال وخاصة في بيئات الصراع، وله باع طويل في الإعلام الرقمي والتلفزيوني والمنظمات الدولية.

أولا وقبل كل شيء لنعرج قليلا على معني الدبلوماسية:
معنى الدبلوماسية هي صفة تخص التمثيل السياسي للبلاد، وتصريف شؤون الدولة الخارجية مع الدول الأجنبية وأساليب التعامل السياسي بينَ الدول، كما يمكن القول إنّها فن ممارسة العلاقات الدولية مثل إبرام المعاهدات، والاتفاقات، والتفاوض، ولا تقتصر الدبلوماسية على السياسة، بل هي أيضاً وسيلة الاتصال الناجحة بينَ الناس، فلها الفضل في القضاء على الحروب والتناحر من أجل لقمة العيش، والحصول على الأراضي والمكاسب. وقد عرفت الدبلوماسية منذُ القدم، ومن أمثلة المعاملات الدبلوماسية في القديم؛ المراسلات التي كانت بين الرسول محمد عليه الصلاة والسلام ونجاشي الحبشةـ وهرقل عظيم الروم، وكسرى ملك الفرس.

إذا طبقنا الكلام السابق على ما جرى حول قصة اللقاحات يمكننا القول إنه في كثير من الأحيان تم استخدام اللقاحات كواسطة أو وسيلة لتمثيل بعض البلدان سياسيا.

وأيضا استخدمت اللقاحات ولوازم الوقاية من كورونا في إطار ما يعرف باسم الحرب المفتوحة والحرب الهجينة وسنعرج على ذلك لاحقا في تدوينات طبية تشرح العلاقة التشاركية التي نشأت بين السياسة والوباء والطب والصحة .

والآن ندخل في التفاصيل:

في حزيران الماضي وبينما كانت ذروة الوباء في الهند كانت دول النيبال الجارة للصين والهند تعاني من ترك ملايين الناس بدون لقاح والسبب اعتمادها على اللقاح المصنع بالهند ، ولكن أصدرت الهند فجأة قرارا يقضي بمنع تصدير اللقاح حتى الانتهاء من ازمتها وهكذا تركت حلفاءها ومنها النيبال بدون لقاح وهي التي منعتها من استيراد الأدوية والمستلزمات من الصين وكذلك الأوكسجين ، ولكن وجدت الصين أن الفرصة مناسبة الآن لتفعيل الدبلوماسية الصحية ، وقدمت للنيبال ملايين الجرعات من اللقاح الصيني وأنقذت البلاد من الوباء ، واذا ذهبنا يمنة وشمالا نجد أن الصين لم تكتفي بالأراضي والدول المجاورة في الجغرافيا الخاصة بها بل توسعت لتقدم لقاحها كطوق نجاة لكثير من الدول حتى في أفريقيا مبتدأها في الجزائر التي اعتبرت وقتها بوابة الصين الى افريقيا ، فلقد لعبت الصين في الفناء الخلفي لأمريكا ، وجارتها اللدود ومنافستها الإقليمية الهند ، مستغلة انشغال كل منهما ، فاحتلت المرتبة الثانية في دبلوماسية اللقاح ، فالصين المتهمة في نشر الوباء ضمن اطار الحرب المفتوحة التي اعتمدتها ، ساعدت أيضا دول أوربية في الإمدادات الطبية وخرج بعض من زعماء هذه الدول يقولون لأمريكا ( كنتم دائما تفرضون علينا العقوبات اذا تعاملنا مع الصين والآن تركتمونا نواجه الوباء لوحدنا سنعتمد بعد الآن على الصين في الإمدادات الطبية ).

لكن ووفق بيانات إحصائية فإن أمريكا تعد الرقم واحد في دبلوماسية اللقاحات فما الذي حدث في منتصف الطريق؟!
ان ظهور المتحورات وعدم قدرة اللقاح الصيني على إثبات فاعليته تجاه هذه المتحورات جعل الدول تخفف اعتمادها على اللقاح الصيني وتتجه للقاحات الأخرى فانخفض تصدير اللقاح الصيني بصورة كبيرة وبدأ تعبئة الفراغ من قبل أمريكا عبر طرحها التبرع بكميات كبيرة من اللقاحات للدول فتربعت على عرش أكبر دولة من حيث دبلوماسية اللقاحات، وفي الترتيب الثالث تأتي روسيا.

أمريكا وروسيا سابقا كان لهما تعاونا في اللقاحات في الأوبئة أنقذ حياة ملايين البشر حسب إحصاءات وتقارير لمنظمات طبية عالمية فهذه الدبلوماسية تساعد في تحسين الصورة الذهنية للشعوب عن هذه الدول وكذلك تحقيق المكاسب الاقتصادية وحشد الدعم في المحافل الدولية وتحقيقي مكاسب على مستوى الجغرافيا السياسية.

لكن هذه الدبلوماسية لن تحقق مكاسبها بشكل كامل الا إذا توفرت شروط مثل القدرة على احتواء الوباء داخليا، وكذلك فاعلية اللقاحات والتوجهات الحكومية والشعبية والقدرات التصنيعية لتوفير الأعداد وكذلك القدرات العلمية لتطوير اللقاحات لتواجه المتحورات المختلفة.

والآن تتساءلون عن علاقة الموضوع بالديمقراطية والقومية والعولمة؟

خلال العقود الثلاثة الماضية وبعد انتهاء الحرب الباردة رفعت دول خاصة في العالم الغربي شعارات صاخبة للعولمة. وحتى ألهمت وشجعت هذه الشعارات خطط الغزو العسكري وسياسات فرض العقوبات الجائرة التي ألحقت أضراراً ودماراً هائلاً ببعض الدول تحت لافتات دعم الديمقراطية والحرية وقبول التعددية وحقوق الأقليات. اليوم ورغم تلك الأجواء نرى أن الدول الداعية لعولمة السياسة والثقافة والاقتصاد تبنت متسرعة توجهاً قومياً، حيث لم تسرّع الحركة الطبيعية والعادلة للسلع والخدمات الصحية المطلوبة وعاملت بعض الدول اللاجئين في دولها كأجانب من حيث اعتبارهم في خطط التأمين الصحي أو الحصول على اللقاح ، بالإضافة الى عمليات قرصنة للمستلزمات الطبية أو فرض رسوم أعلى على العبور والشحن واحتكار اللقاحات وعدم مشاركة الإنجازات العلمية في مجال إنتاج اللقاحات ونكث العهود بتقديم المساعدات التي أعلنتها الدول الغنية ، عدا عن صراع استراتيجي بين أمريكا والصين حول منشأ الفيروس وادعاءات استخدامه إما للحرب من قبل الصين على الآخرين أو استخدامه من قبل أمريكا لحصار الصين ووصمها بالدولة المصدرة للأوبئة التي خربت حياة البشرية .

لقد أظهرت فترة الوباء الأخيرة سقوط الكثير من الادعاءات الإنسانية وقد استخدمت هذه الادعاءات سابقا كأدوات لدبلوماسيات مثيلة مثل دبلوماسية المساعدات ودبلوماسية قبول التعددية ، لكن هذه الادعاءات سقطت كليا مع اشتداد الطلب على المشافي واللوجستيات الطبية والأدوية والأوكسجين ، وعلى العكس من ذلك بدأنا نرى استخدام اليمين المتطرف في بعض الدول قضية اللاجئين والمهاجرين لتأجيج الشعور القومي بأحقية الحصول على أسرة العناية المشددة التي شغلها حسب ادعاءاتهم أشخاص ليسوا من البلد أو من العرق الصافي للبلد الذي يستحق العناية الطبية ، كما حصل في دولة مثل ألمانيا ، حيث قامت قناة شهيرة هناك بإعداد تقرير يقول أن الألمان لا يجدون سرير في العناية المركزة بسبب المهاجرين الذين أخذوا كل شيء.

والخلاصة أن المعركة الدبلوماسية فيما يخص اللقاحات من السابق لأوانه أن نحدد الفائز فيها حيث إن مسار الوباء ما يزال طويلا وفعالية اللقاحات وتأمينها وشحنها كل ذلك يعقد الأمور أكثر فأكثر بالإضافة التي الدور الذي يلعبه الإعلام في تصميم الهندسة الاجتماعية الخاصة بالوباء وتوابعه.

ويبقى السؤال الأهم أين الدول العربية والإسلامية مما سبق؟؟!!

والجواب ببساطة إنه في الصورة التي وضعتها في مقدمة التدوينة.